سيد محمد طنطاوي

339

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال القرطبي : قراءة الكسائي وعلى وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد « هل تستطيع » بالتاء « ربك » بالنصب وقرأ الباقون بالياء « هل يستطيع » « ربك » بالرفع . والمعنى على قراءة الكسائي - بالتاء : هل تستطيع أن تسأل ربك . . قالت عائشة : كان القوم أعلم باللَّه - تعالى - من أن يقولوا « هل يستطيع ربك » وقال معاذ : أقرأنا النبي صلى اللَّه عليه وسلم : هل تستطيع ربك قال معاذ : وسمعت النبي صلى اللَّه عليه وسلم مرارا يقرأ بالتاء » « 1 » . وقوله - سبحانه - * ( قالَ اتَّقُوا اللَّه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * حكاية لما رد به عيسى على الحواريين فيما طلبوه من إنزال المائدة : أي قال لهم عيسى : اتقوا اللَّه وقفوا عند حدوده ، واملئوا قلوبكم هيبة وخشية منه ، ولا تطلبوا أمثال هذه المطالب إن كنتم مؤمنين حق الإيمان ، فإن المؤمن الصادق في إيمانه يبتعد عن أمثال هذه المطالب التي قد تؤدى إلى فتنته . ثم حكى القرآن ما رد به الحواريون على عيسى فقال : * ( قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ ) * . أي : قال الحواريون لعيسى إننا نريد نزول هذه المائدة علينا من السماء لأسباب : أولها : أننا نرغب في الأكل منها لننال البركة ، ولأننا في حاجة إلى الطعام بعد أن ضيق علينا أعداؤك وأعداؤنا الذين لم يؤمنوا برسالتك . وثانيها : أننا نرغب في نزولها لكي تزداد قلوبنا اطمئنانا إلى أنك صادق فيما تبلغه عن ربك ، فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلالي ، مما يؤدى إلى رسوخ الإيمان ، وقوة اليقين . وثالثها : أننا نرغب في نزولها لكي نعلم أن قد صدقتنا في دعوى النبوة ، وفي جميع ما تخبرنا به من مأمورات ومنهيات ، لأن نزولها من السماء يجعلها تخالف ما جئتنا به من معجزات أرضية ، وفي ذلك ما فيه من الدلالة على صدقك في نبوتك . ورابع هذه الأسباب : أننا نرغب في نزولها لكي نكون من الشاهدين على هذه المعجزة عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل ، ليزداد الذين آمنوا منهم إيمانا ، ويؤمن الذي عنده استعداد للإيمان . وبذلك نرى ان الحواريين قد بينوا لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - أنهم لا يريدون نزول المائدة من السماء لأنهم يشكون في قدرة اللَّه ، أو في نبوة عيسى أو أن مقصدهم من هذا الطلب

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 364 . بتصرف وتلخيص